قد يعتقد البعض أن لحظة تعيين رئيس الحكومة وتأديته للقسم الدستوري بالقصر الملكي تعني بداية ممارسته الفعالية لمهامه. لكن الواقع القانوني والدستوري في المملكة المغربية يكشف عن مسار يتسم بالتعقيد والدقة، حيث تتداخل إرادة صناديق الاقتراع، وهيبة المؤسسة الملكية، والرقابة البرلمانية.
1. صناديق الاقتراع ومقتضيات الفصل 47 من الدستور
تبدأ الحكاية من يوم الانتخابات التشريعية، حيث يتوجه ملايين الناخبين لاختيار 395 نائباً في مجلس النواب. وفي الوقت الذي كان فيه الدستور القديم يتيح اختيار رئيس الحكومة من أي شخصية، جاء دستور 2011 بقواعد جديدة؛ حيث ينص الفصل 47 بشكل صارم على أن جلالة الملك يعين رئيس الحكومة حصرياً من الحزب السياسي الذي تصدر نتائج انتخابات أعضاء مجلس النواب.
2. تحدي أغلبية الـ 198 مقعداً وماراثون المفاوضات
الفوز بالمرتبة الأولى ليس سوى الخطوة الأولى؛ إذ يفرض تشكيل الحكومة ضمان الأغلبية المطلقة بمجلس النواب (ما لا يقل عن 198 مقعداً من أصل 395). ونظراً لطبيعة نمط الاقتراع بالتمثيل النسبي، يصعب على أي حزب الحصول على هذه الأغلبية بمفرده، مما يجعل التكتل والتحالف مع أحزاب أخرى ضرورة حتمية.
تتضمن مفاوضات تشكيل التحالف الحكومي عدة تحديات:
- التوافق على توزيع الحقائب الوزارية الرئيسية والمهمة.
- تجاوز شروط الأحزاب والمطالب التعجيزية لدخول الحكومة.
- تفادي البلوكاج الحكومي (كما حدث سنة 2016 بعد استمرار المفاوضات لنحو 5 أشهر ونصف).
3. وزارات السيادة والتوافق الاستراتيجي
خلال توزيع الحقائب الوزارية، تظل هناك القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي، والدبلوماسية، والشان الديني (كالداخلية، الخارجية، الأوقاف والشؤون الإسلامية، وإدارة الدفاع الوطني). تخضع هذه القطاعات لتوافق مباشر ومستمر لتأمين استقرار الدولة واستمراريتها بعيداً عن التجاذبات والحسابات الحزبية.
4. استقبال القصر والتعيين الملكي
بعد استكمال لائحة الوزراء والتدقيق فيها، يستقبل جلالة الملك رئيس الحكومة وأعضائها بالقصر الملكي لتأدية القسم الدستوري والتقاط الصورة الرسمية. ورغم هذا التعيين، تبقى القرارات والمراسيم متوقفة قانونياً إلى حين استيفاء الإجراء البرلماني الحاسيم.
5. القفل الدستوري: الفصل 88 وتنصيب البرلمان
بحسب الفصل 88 من الدستور، لا تعتبر الحكومة منصبة ومخولة لممارسة صلاحياتها بشكل كامل إلا بعد عرض البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان والحصول على ثقة مجلس النواب بأغلبية 198 صوتاً أو أكثر. وبموجب هذا التصويت يتحقق التنصيب البرلماني الرسمي وتشرع الحكومة في أداء مهامها.




